بدأتُ طلب النحو قبل الجامعة بنحو ست سنوات، وما ترددت في التخصص بها في الجامعة من وقتها إلى أن جاء وقت التسجيل؛ فترددت قليلًا لأمر قلة الوظائف، لكن ما لبثت أن عدت إلى ما أحبه وأمضي أيامي معه بعد أن نصحني شيخي الأول في النحو به، وبعد أن قال لي أحد أصحابي الإلكترونيين: "الله عطاك رغبه ماعطاها غيرك، رح ترا الناس مايبون العربي، وظيفتك جاهزه باذن الله"، وبعد أن تذكرت قول ابن حزم: من مالت نفسه إلى علم ما -وإن كان أدنى من غيره- فلا يشغل نفسه بسواه.
قُبلت في جامعة الإمام محمد بن سعود رحمه الله، وهي مناي ورغبتي منذ سنين لوجود شيخي سليمان العيوني فيها، لكن ما تيسّر لي الانتقال إلى الرياض، وبعد استخارات سحبت قبولي فيها، وأكدت قبولي في جامعة الملك فيصل رحمه الله، وما يطمئنني اليوم سوى أني استخرت كثيرًا قبل أن أقدم عليه.
بدأت السنة الأولى، وكانت ثلاثَ فصول دراسية لأول مرة في المملكة، فهل تظنّ أنها بدأت بنحو أو صرف أو إملاء في قاعات الجامعة؟
لا، بدأت بمواد عامة لا قيمة لها، منها: اللغة الإنقليزية تعلمنا فيها الحروف والأرقام وmy name is elias، ومبادئ علم الاجتماع، والنظام الاجتماعي والسلوك الأسري، والعقيدة والمذاهب، واللغة العربية ١ وكانت متفرقات من إملاء ونحو وصفات الخطيب والمستمع، وكل المواد عن بعد!
كان فصلًا لا قيمة له، أظن أن فائدتي منه كانت المكافأة إذ ذهبت بها في أول شهر إلى معرض الرياض لأول مرة في حياتي، واستفدت من مادة العقيدة والمذاهب قول الشاعر:
عرفتُ الشرَّ لا للشرّ…ولكنْ لتوقيهِ
وبهذا انقضى الفصل الأول والحمدلله.
بدأنا الفصل الثاني ومزيته كانت في وجود مواد حضورية فيه: اللغة العربية٢، ومدخل إلى الحضارة الإنسانية، وبهما بدأت حياة الجامعة لأنها كانت حضورية، أرى الدكتور ويراني وأشارك وأرى الطلاب والجامعة والقاعات.
أما الحضارة الإنسانية فموضوعاتها ممتعة ودكتورها سمح طيب، عرفت منها الزميل ح.ع لأننا ننتظر المحاضرة بعدَها معًا، ثم انقطعت عني أخباره فما رأيته قطّ، ولا أذكر من المادة إلا أن الدكتور سأل مرة عن الفرق بين الرأسمالية والشيوعية فأجبتُ، فسُر بجوابي كثيرًا وقال: إنت قِبتَ ده منين؟!
أما اللغة العربية ٢ فكانت المادة التي أعادت ما في نفسي من الحماسة لدراسة العربية في الجامعة، دخل دكتور المادة -وأنا أحبه حبًا عظيمًا، ولكن لن أصرح باسمه لأمر أكتبه في ذكريات السنة الثانية إن شاء الله-، كانت المادة في كتابة المقالات والسيرة الذاتية وتفاهات أخر، فإذا الدكتور يحدثنا عن النحو والعَروض! يا سعدي! في جامعتنا دكاترة كالشيخ سليمان العيوني!
كان يسأل عن أشياء كتبها دكتور فاضل قبله على السبورة فما يجيب إلا أنا وطالب من طلاب المنح الأفارقة وهم الحفّاظ شيوخ النحو، وبها بدأت معرفتي بزميلي يحيى سوكونا وبالدكتور الفاضل.
مما حصل في محاضرات هذي المادة يوم الاثنين ٩-٦-١٤٤٤هـ أن كاتب المذكرة قال: لا تستهين…، فقلت لشيخنا: أليس الصواب لا تستهِن؟ فقال: بارك الله فيك، هي كذلك، وقد ورد ما يشبه ذلك في كلام العرب؛ فخرّجه النحاة بأن قالوا: الفعل مؤكد بالنون الخفيفة لكنها حذفت لأن ما بعدها ساكن، فقد قُرئ: (ألم نشرحَ لك صدرك)، وقال الشاعر:
لا تهينَ الفقيرَ علّك أن…تركعَ يومًا والدهرُ قد رفعَه
كاد لبي يطير يا إخوان! ما كل هذا شيخنا ما شاء الله تبارك الله؟! لم أرَ قبله من يستحضر الشواهد والقواعد كذا في حياتي إلا في اليوتيوب!
عجبت والله وسررت سرورًا أحس به الآن، وهنا بدأ أملي في الجامعة ودكاترتها.
كان الشيخ كثيرًا ما يقول: نراكم في السنة الثانية إن شاء الله في نحو١، فهذا المقرر لا يكون إلا عندي غالبًا، فيبدأ حينئذٍ طلب العلم الحق الصعب ونصبح على قواعد النحاة وأقوالهم، فملأ -والله- قلبي أملًا، وصبّرني على السنة الأولى فإني أنتظر ما بعدها، أنتظر دراسة ابن عقيل على الشيخ، أنتظر النحو!
انقضى الفصل الثاني وبقي الأخير، وكان من تيسير الله لي أن السنة كانت ثلاث فصول؛ إذ سهّل لي أن أنهي كل المواد العامة في هذي السنة، ولو كانت فصلين لما تيسر.
كانت مواد الفصل الثالث كسابقتها لا قيمة لها ولا فائدة: الحاسب، والأخلاق الإسلامية، ومدخل إلى علم التاريخ، وبها انتهت السنة الأولى، ولا أريد وقتَها من الدنيا شيئًا إلا أن تنقضي أيام الإجازة لنبدأ النحو، لنبدأ ابن عقيل، لنبدأ الألفية!
إلياس
الاثنين ٦-١٢-١٤٤٦هـ، بعد ختام السنة الثالثة بأيام.
تعليقات
إرسال تعليق